القرطبي

343

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

وقال أبو بكر الصديق في أبيات يرثي بها النبي صلى اللّه عليه وسلم : فلتحدثنّ حوادث من بعده * تعنى بهن جوانح وصدور وقالت صفية بنت عبد المطلب في أبيات ترثي بها النبي صلى اللّه عليه وسلم : لعمرك ما أبكي النبيّ لفقده * ولكن ما أخشى من الهرج آتيا وبموت عمر سلّ سيف الفتنة وقتل عثمان ، وكان من قضاء اللّه وقدره ما يكون ، وكان على ما تقدم . وقوله : « حتى يبعث دجالون كذّابون قريب من ثلاثين » ، الدجال : يطلق في اللغة على أوجه كثيرة يأتي ذكرها . أحدها الكذاب ، كما جاء في هذا الحديث . وفي صحيح مسلم : « يكون في آخر الزمان دجالون كذابون » الحديث ، ولا يجمع ما كان على فعال جمع التكسير عند الجماهير من النحويين لئلّا يذهب بناء المبالغة منه ، فلا يقال : إلا دجالون كما قال عليه الصلاة والسلام ، وإن كان قد جاء مكسرا وهو شاذ ، أنشد سيبويه لابن مقبل : إلا الإفادة فاستولت ركائبنا * عند الجبابير بالبأساء والنقم وقال مالك بن أنس في محمد بن إسحاق : إنما هو دجال من الدجاجلة ، نحن أخرجناه من المدينة . قال عبد اللّه بن إدريس الأودي : وما عرفت أن دجالا يجمع على دجاجلة حتى سمعتها من مالك بن أنس . وقوله : « قريب من ثلاثين » قد جاء عددهم معينا في حديث حذيفة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « تكون في أمتي دجالون كذابون سبعة وعشرون ، منهم أربع نسوة ، وأنا خاتم النبيين ولا نبي بعدي » « 1 » . خرجه أبو نعيم الحافظ ، وقال : هذا حديث غريب تفرد به معاوية بن هشام ، ووجد في كتابه بخط أبيه حدث به أحمد بن حنبل عن علي ابن المديني . وقال القاضي عياض : هذا الحديث قد ظهر ، فلو عدّ من تنبأ من زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى الآن ممن اشتهر بذلك وعرف ، واتبعه جماعة على ضلالته ؛ لوجد هذا العدد فيهم ، ومن طالع كتب الأخبار والتواريخ عرف صحة هذا . وقوله : « حتى يقبض العلم » فقد قبض العمل به ولم يبق إلا رسمه على ما يأتي بيانه . وقوله : « وتكثر الزلازل » فقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي أنه وقع منها بعراق العجم كثير ، وقد شاهدنا بعضها بالأندلس ، وسيأتي .

--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 5 / 396 ) وأبو نعيم ( 4 / 179 ) وصححه الألباني في « الصحيحة » ( 1999 ) .